نجيب محفوظ عبد العزيز إبراهيم أحمد الباشا (١٩١١– ٢٠٠٦) كاتب مصري. يُعد أول مصري وعربي حائز على جائزة نوبل في الأدب. كتب نجيب محفوظ منذ الثلاثينات واستمر حتى ٢٠٠٤. تدور أحداث جميع رواياته في مصر وتظهر فيها سمة متكررة، هي الحارة التي تعادل العالم. كتب نجيب محفوظ أكثر من ثلاثين رواية اشتهرت غالبيتها وتم إنتاجها سينمائيًا أو تلفزيونيًا وكانت أول رواياته هي عبث الأقدار (١٩٣٩)، أما آخرها، فكانت قشتمر (١٩٨٨)، كما كتب أكثر من عشرين قصة قصيرة وكان آخرها أحلام فترة النقاهة (٢٠٠٤). ومن أشهر أعماله: بداية ونهاية (١٩٤٩)، والثلاثية (١٩٥٦–١٩٥٧)، وأولاد حارتنا (١٩٥٩)، والتي مُنعت من النشر في مصر منذ صدورها وحتى وقتٍ قريب، واللص والكلاب (١٩٦١)، وثرثرة فوق النيل (١٩٦٦)، والكرنك (١٩٧٤)، والحرافيش (١٩٧٧). بينما يُصنف أدب محفوظ باعتباره أدبًا واقعيًا، فإن مواضيعًا وجودية تظهر فيه. محفوظ أكثر أديب عربي نُقلت أعماله إلى السينما والتلفزيون.
سُمي نجيب محفوظ باسمٍ مُركب تقديراً من والده عبد العزيز إبراهيم للطبيب المعروف نجيب باشا محفوظ الذي أشرف على ولادته التي كانت متعسرة.
تتشابك مسيرة نجيب محفوظ الأدبية مع تاريخ الرواية الحديثة في مصر والعالم العربي. في مطلع القرن العشرين، خطت الرواية العربية خطواتها الأولى في مجتمع وثقافة اكتشفت هذا النوع الأدبي من خلال ترجمة الروايات الأوروبية من القرن التاسع عشر. ومع ذلك، بالنسبة لنجيب محفوظ، فإن مجتمعًا قويًا وقديمًا مثل المجتمع المصري، بعد أن حافظ على التقاليد القديمة أثناء التحديث، يمكنه أن يستوعب ويدمج، دون خوف، بعض جوانب الثقافة الغربية. لأن هذا الكاتب استمع قبل كل شيء، في عمله، إلى هذا الشعب المصري، وإلى مغامراته الحميمة وتاريخه.
تتميز روايات نجيب محفوظ بأسلوب سردي كلاسيكي، يتميز بالتركيز على تصوير الشخصيات والمواقف بطريقة شديدة الواقعية، مع التركيز على العادات والتقاليد والقيم الاجتماعية في المجتمع المصري، والتجسيد الدقيق للحياة اليومية في مصر. كما يستخدم نجيب محفوظ نمط الرواية الداخلية الذي يسمح للقارئ بمشاهدة العالم من خلال عيون شخصية محورية في الرواية. كما يتميز أسلوب نجيب محفوظ بالتلاعب بالزمن والتركيز على التغيرات التي تحدث في الأحداث والأشخاص مع مرور الوقت.
وُلد نجيب محفوظ في ١١ ديسمبر ١٩١١ في حي الجمالية بالقاهرة. والده الذي كان موظفًا لم يقرأ كتابًا في حياته بعد القرآن غير حديث عيسى بن هشام لأن كاتبه المويلحي كان صديقاً له، ووالدته، فاطمة مصطفى قشيشة، ابنة الشيخ مصطفى قشيشة من علماء الأزهر. وكان نجيب محفوظ أصغر إخوته، ولأن الفرق بينه وبين أقرب إخوته سناً إليه كان عشر سنواتٍ، فقد عومل كأنه طفلٌ وحيد. كانت والدته أقرب إليه من والده الذي كان مشغولًا ودائمًا خارج البيت في عمله وقد لازمها في طفولته وكِبره حتي توفيت عام ١٩٦٨، وهو العام نفسه الذي حصل فيه علي جائزة الدولة التقديرية. كان عمره ٧ أعوامٍ حين قامت ثورة ١٩١٩ التي أثرت فيه وتذكرها فيما بعد في بين القصرين، أول أجزاء ثلاثيته.
التحق نجيب محفوظ بالكُتاب وتعلم القراءة والكتابة، ثم درس في التعليم العام والتحق بكلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا) في ١٩٣٠ وحصل على ليسانس الفلسفة. شرع بعدها في إعداد رسالة الماجستير عن الجمال في الفلسفة الإسلامية، ثم غير رأيه بسبب العمل وقرر التركيز على الأدب. انضم إلى السلك الحكومي ليعمل سكرتيراً برلمانياً في وزارة الأوقاف (١٩٣٨–١٩٤٥)، ثم مديراً لمؤسسة القرض الحسن في الوزارة حتى ١٩٥٤. وعمل بعدها مديراً لمكتب وزير الإرشاد، ثم انتقل إلى وزارة الثقافة مديراً للرقابة على المصنفات الفنية. وفي ١٩٦٠، عمل مديراً عاماً لمؤسسة دعم السينما، ثم مستشاراً للمؤسسة العامة للسينما والإذاعة والتلفزيون. آخر منصبٍ حكومي شغله كان رئيس مجلس إدارة المؤسسة العامة للسينما (١٩٦٦–١٩٧١)، وتقاعد بعدها ليصبح أحد كتاب مؤسسة الأهرام.
تزوج نجيب محفوظ في فترة توقفه عن الكتابة بعد ثورة ١٩٥٢ من السيدة عطية الله إبراهيم، وأخفى خبر زواجه عمن حوله لعشر سنوات، متعللاً عن عدم زواجه بانشغاله برعاية أمه وأخته الأرملة وأطفالها. في تلك الفترة، كان دخله قد ازداد من عمله في كتابة سيناريوهات الأفلام وأصبح لديه من المال ما يكفي لتأسيس عائلة. أخفى خبر زواجه عن والدته حتى لا تغضب لأنها كانت قد رتبت أمر زواجه من قريبتها الثرية. عاش في البداية مع زوجته في عوامة على النيل وهناك أنجب ابنته الأولى «أم كلثوم»، ثم انتقل إلي شقة على النيل، ثم أنجب ابنته الثانية «فاطمة». لم يُعرف عن زواجه إلا بعد عشر سنواتٍ من حدوثه، عندما تشاجرت إحدى ابنتيه مع زميلة لها في المدرسة، فعرف الشاعر صلاح جاهين بالأمر من والد الطالبة، وانتشر الخبر بين المعارف.
قبل زواجه من عطية الله، عاش نجيب محفوظ العديد من قصص الحب التي وصفها بالفاشلة، والتي دفعته إلى دخول عالم البغاء والاستسلام له، هربًا من فشل مُتوقع في قصة حب أخرى. قال عن تلك الفترة في حوار صحفي له: «كنت من رواد دور البغاء الرسمي والسري، ومن رواد الصالات والكباريهات، ومن يراني في ذلك الوقت يتصور أن شخصًا يعيش مثل هذه الحياة المضطربة، وتستطيع أن تصفه بأنه حيوان جنسي لا يمكن أن يعرف الحب والزواج.. كانت نظرتي إلى المرأة في ذلك الحين جنسية بحتة، ليس فيها أي دور للعواطف أو المشاعر».
استوحى نجيب محفوظ من حي الجمالية ومحيطه معظم رواياته وقصصه، والتي شكلت عالمه الخاص ومنها انطلق إلي العالمية. بدأ الكتابة في منتصف الثلاثينيات، وكان ينشر قصصه القصيرة في مجلة الرسالة. كانت أول قصة نشرها بعنوان همس الجنون عام ١٩٣٨. في ١٩٣٩، نشر روايته الأولى عبث الأقدار التي تقدم مفهومه عن الواقعية التاريخية. ثم نشر كفاح طيبة في عام ١٩٤٤ ورادوبيس في عام ١٩٤٣، منهياً ثلاثية تاريخية في زمن الفراعنة. وبدءاً من ١٩٤٥، بدأ نجيب محفوظ خطه الروائي الواقعي الذي حافظ عليه في معظم مسيرته الأدبية برواية القاهرة الجديدة، ثم خان الخليلي في عام ١٩٤٥ وزقاق المدق في ١٩٤٧. جرب نجيب محفوظ الواقعية النفسية في رواية السراب (١٩٤٨)، ثم عاد إلى الواقعية الاجتماعية مع بداية ونهاية (١٩٤٩) وثلاثية القاهرة (١٩٥٦–١٩٥٧). فيما بعد، اتجه محفوظ إلى الرمزية في رواياته الشحاذ (١٩٦٥) وأولاد حارتنا (١٩٥٩) التي سببت ردود فعلٍ قوية وكانت سبباً في التحريض على محاولة اغتياله. كما اتجه في مرحلة متقدمة من مشواره الأدبي إلى مفاهيم جديدة كالكتابة على حدود الفنتازيا كما في روايته الحرافيش (١٩٧٧) وليالي ألف ليلة (١٩٨٢)، وكتابة البوح الصوفي والأحلام كما في كتاب أصداء السيرة الذاتية (١٩٩٤) وأحلام فترة النقاهة (٢٠٠٤)، واللذان اتسما بالتكثيف الشعري وتفجير اللغة والعالم. وتُعتبر مؤلّفات محفوظ من ناحية بمثابة مرآة للحياة الاجتماعية والسياسية في مصر، ومن ناحية أخرى يمكن اعتبارها تدويناً معاصراً لهم الوجود الإنساني ووضعية الإنسان في عالم يبدو وكأنه هجر الله أو هجره الله، كما أنها تعكس رؤية المثقّفين على اختلاف ميولهم إلى السلطة.